من الشائع أن يتحدّث الناسُ عن النجاح، وسيكولوجية الإنجاز، وفنّ تحقيق الأهداف، وسلسلة الخطوات والعادات التي توصلك إلى القمّة؛ وقد أُلِّفت في هذا الباب كتبٌ شهيرة لا تُحصى، وقامت عليه صناعةٌ كاملة: دوراتٌ ومعسكرات، ومدرّبون معتمدون (وغيرُ معتمدين)، وقوائمُ صباحية تبدأ بالاستيقاظ في الخامسة وتنتهي بحمّام الثلج. ولو صدّقتَ هذا الرفَّ كلَّه لخرجتَ بقناعةٍ واحدة: أنّ مشكلة الإنسان الوحيدة أن يصل؛ فإذا وصل انتهت الحكاية ونزل تترُ النهاية.
لكنّ أحدَ أبرز مؤسّسي علم الاجتماع الحديث، عالمًا فرنسيًّا يُدعى (إميل دوركهايم) - ودوركهايم - التقط سنة ١٨٩٧م ظاهرةً مقلقة: كلما تفكّكت الأطرُ الجامعة التي تحمل للناس غاياتِهم وحدودَهم، ارتفعت معدلاتُ الانتحار؛ حتى إنّ الجماعات الأشدّ فردانيةً في تديّنها كانت أعلى انتحارًا من الجماعات الأوثق رابطةً، في البلد الواحد والأحوال المتقاربة.
وأطلق على هذا الداء اسم (الأنومي) Anomie: وتعني انحلال المعايير التي كانت تكفي الفردَ مؤنةَ سؤال «لماذا؟» قبل أن يسأله.
وبعده بنصف قرن، عاد طبيبٌ نفسيٌّ نمساويٌّ يُدعى (فيكتور فرانكل) من الحرب العالمية الثانية إلى عيادته في فيينا، فوجد أمامه الداءَ نفسَه وقد نزل من الإحصاءات إلى العيادة: أناسٌ معافَون في أبدانهم، ناجحون في أعمالهم، لا ينقصهم شيءٌ ممّا يتمنّاه الناس.. وفي صدورهم خواءٌ غامضٌ لا يعرفون له اسمًا. سمّاه (الفراغ الوجوديّ) Existential Vacuum، ولمّا استقصاه في قاعات درسه — فيما حكى في (الإنسان يبحث عن معنى) — وجده عند ربع طلابه الأوروبيين، وعند ستةٍ من كل عشرة من طلابه الأمريكيين: أبناء أغنى مجتمعات الأرض يومئذ. ورصد له عارضًا عجيبًا سمّاه (عُصاب يوم الأحد) Sunday Neurosis: أن يشتغل أحدُهم الأسبوعَ كلَّه بكفاءةٍ عالية، فإذا جاءت العطلةُ وسكنت الآلةُ وخفت الضجيجُ.. هجم عليه الخواء.
ولا أدري وأنت تقرأ هذه السطور: أتمرّ بك هذه الحالةُ مرورَ الغريب، أم تعرفها معرفةَ مجرِّب؟
أن توقف سيارتك أمام البيت في آخر الليل، وتطفئ المحرّك، ثم لا تنزل. لا أحد ينتظر منك شيئًا الآن، ولا شيء يمنعك من الدخول، لكنّك تبقى في مقعدك تحدّق في لا شيء. وفي هذا السكون بالذات — بعد يومٍ مليءٍ بالإنجاز — يخرج من جوفك سؤالٌ من كلمتين: «ثم ماذا؟»
ولعلّك تستحي من هذا السؤال أكثر ممّا تخافه: عيب، الناس يتمنّون عُشر ما عندك، هذا جحود. فتفتح الباب، وتدخل، وتنشغل. غير أنّ هذا السؤال لا يموت بدفنك إياه عند باب السيارة؛ يرجع إليك في الإجازة التي طال انتظارُها ثم مرّت فارغة، وبعد الترقية التي فرحتَ بها أسبوعًا ثم لم تكن إلا مكتبًا أوسع، ومع السيارة الجديدة التي ما إن ألِفتَ رائحتَها حتى عادت وسيلةَ نقل.
فلستَ وحدك إذن، ولا العلّةُ في نفسك؛ إنّما هو عارضُ عصرٍ كامل.
وقبل أن نمضي في التشخيص، لا بدّ أن نرفع عن صاحب هذا السؤال تهمتين تلاحقانه في كل مجلس:
أولًا: تهمة (الجحود). وصاحبُنا منها بريء، والشاهد شعورُه نفسه؛ فالجاحد لا يؤرقه معنى النعمة أصلًا؛ يستهلكها غافلًا وينام. وأمّا مَن يؤرقه أنّ النعم بين يديه وهو لا يدري إلى أين تمضي به، فذاك من اليقظة لا من الكفران؛ لأنه يسأل عن غاية النعمة، وهذه مرتبةٌ فوق الشكر الغافل لا دونه.
ثانيًا: تهمة (المرض). فالاكتئاب السريري شيءٌ آخر: هبوطٌ يمتدّ أسابيع، ويعطّل النوم والطعام والعمل، وبابُه الطبيب لا المقالات، وبين الصحة والمرض منطقةٌ واسعة.
من أين جاء هذا السؤال؟
في كتابه (معنى الحياة في العالم الحديث) — وهو من أوسع المعالجات العربية المعاصرة لهذه المسألة — يقرّر الباحث عبدالله الوهيبي حقيقةً يغفل عنها كثيرون: أنّ سؤال المعنى بصيغته الشخصية الملحّة هذه «حالةٌ حديثة جوهريًّا»، غير مسبوقة في التاريخ. فإنسان العصور الماضية لم يكن هذا السؤالُ همًّا فرديًّا يؤرقه في ليله؛ كانت الإجابة جزءًا مركزيًّا من وعيه للوجود، يرثها مع دينه وجماعته كما يرث لغته. جدُّك لم يكن أعمق منك تفكيرًا حين لم يؤرقه سؤالُك؛ كان يعيش داخل بناءٍ يجيب عنه قبل أن يسأل.
ثم جاءت الحداثة فسحبت هذا البناء من تحت أقدام الناس. وقد أرّخ الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في كتابه الضخم (منابع الذات) لهذا الفقد: كيف خسر الإنسانُ الغربيُّ أفقَه المشترك، وصار كلُّ فردٍ مكلَّفًا أن «يؤلّف ذاته» بنفسه.
ويصف جيل ليبوفتسكي حصادَ ذلك في (عصر الفراغ): فردانيةٌ قطعت الصلةَ بالأطر الكبرى كلِّها، وتركت الفردَ وحيدًا أمام مرآته، ومعه استهلاكٌ لا ينتهي وخواءٌ لا يمتلئ. وهذا الانهيار نفسُه هو الذي التقطه دوركهايم كما رأيتَ في مطلع النشرة.
وسأخمّن الاعتراضَ الذي تبادر إلى ذهنك الآن: أوَليس هذا السؤال أقدمَ من الحداثة؟ والجواب: بلى، وهذا الاعتراض يثبّت الأطروحة ولا ينقضها؛ فالسؤال قديمٌ في الطبقات العليا من الناس التي بلغت كلَّ شيء فرأت حدودَه: ملوكٌ وحكماءُ وشعراء. وأمّا عامّتهم فكانت البنيةُ الجماعية تحمل عنها الجواب.
الحداثة لم تخترع السؤال؛ الحداثة وزّعت محنةَ الملوك على الجميع، فصار كلُّ موظفٍ في سيارته أمام بيته ملِكًا صغيرًا انتهت مملكتُه اليومَ ولم يجد الجواب.
فإذا فهمتَ هذا التاريخ فهمتَ عن نفسك شيئين اثنين:
الأول: مواساةٌ صادقة: أنت لم «تنكسر»؛ الذي انكسر هو الإطار الذي كان يحمل الجواب عنك.
والثاني: تفسير ظاهرةٍ نراها كلَّ يوم: لماذا امتلأ السوق بصناعة «تطوير الذات» في العقود الأخيرة بالذات؟ لأنّ الطلب على المعنى لم ينقطع حين انقطع مورِدُه، فقامت سوقٌ تبيع البدائل. والوهيبي يضع إصبعه على موضع العجز في هذه البدائل كلِّها: «صار الواحد منّا يقيم البراهين المقنعة على فائدة كل فعلٍ في يومه — أكلِه ورياضته وعمله — ثم يعجز عجزًا موجعًا حين يُسأل عن فائدة هذه الفائدة، ومعنى هذا المعنى.»
ماذا وجدت المختبرات؟
رصد روي باوميستر وزملاؤه سنة ٢٠١٣ الفرقَ بين حياةٍ (سعيدة) وحياةٍ (ذات معنى)، فوجدوا أنهما ينفصلان في مواضع كاشفة: فالسعادة يرفعها الأخذ، وتتعلق بالحاضر، وتنفر من المشقّة؛ وأمّا المعنى فيرتفع مع العطاء، ويربط العمرَ في قصةٍ واحدة، ويزدهر مع المسؤوليات الثقيلة نفسِها التي تخفض «المزاج». والأبوّة، بسهرها وحفاضاتها وأقساط مدارسها، ربما تكون أوضحَ شاهدٍ لذلك: تعبٌ قد تُظهره مقاييسُ السعادة عبئًا، ومقاييسُ المعنى ذروة.
فمَن طارد سعادةً لحظية ثم استغرب أنّ حياته «المريحة» خاوية، فلا عجب؛ فقد اختار مسطرةً خاطئة: الراحة تُشبع الجسد، والمعنى يُشبع الروح.
ثم إنّ أوسع الشواهد رقعةً جاء سنة ٢٠١٤: حلّل شيغيهيرو أويشي وإد دينر بياناتِ مسح غالوب العالمي في مئةٍ واثنتين وثلاثين دولة، فوجدا المفارقةَ التي يقوم عليها هذا المقال ماثلةً على خريطة الأرض كلِّها: جودة الحياة ترتفع مع غنى الأمم، والانتحار أعلى في أغناها، وأمّا الشعور بمعنى الحياة فأوفرُ حظًّا به الأممُ الأفقر. فلمّا فتّشا عن العامل الذي يفسّر هذا الانقلاب لم يجداه في التعليم ولا في الفردانية ولا في غيرهما ممّا اختبراه؛ وجداه في التديّن: الأممُ الأفقر أشدُّ تديّنًا، فمعناها أوفر.
وميّز مايكل ستيغر — واضع أشهر مقاييس هذا الباب — بين (حضور المعنى) و(البحث عنه): فالحضور يقترن بالسكينة، والبحثُ المزمن الذي لا يستقرّ على جواب يقترن بالقلق والاجترار. إذن، فسؤال «ثم ماذا؟» بابٌ شريف إن مشى بك إلى جواب، وداءٌ إن صار مقامًا تسكنه وتتفاخر بحيرته.
وأغربُ نتائج هذا الباب أنّ عوائد المعنى تجاوزت النفسَ إلى البدن: تتبّع باتريك هيل ونيكولاس توريانو أكثر من ستة آلاف أمريكي مدةَ أربعة عشر عامًا، فوجدا أصحابَ الغاية الواضحة أقلَّ عرضةً للموت خلال سنوات المتابعة، في الشباب كما في الكهولة. ووجدت باتريشيا بويل وفريقُها في مشروع (رَش) للشيخوخة أنّ أصحاب الدرجات العالية في «الغاية من الحياة» أقلُّ إصابةً بألزهايمر بفارقٍ كبير، حتى عند تشابه تلف الدماغ في التشريح؛ كأنّ المعنى لا يمنع الأسلاك أن تتآكل، لكنه يبقي المصباح مضيئًا رغمها.*
*(هذه دراساتُ ارتباطٍ لا تقطع بالسببية، غير أنّ اتساقها عبر العينات والمناهج يجعل خلاصتها المتواضعة راسخة: المعنى أقرب إلى عضوٍ حيويٍّ منه إلى ترفٍ فلسفي.)
الجوابُ الذي لا يُخترع
تقول الحداثة: اخترعْ معناك. وقد جرّبت البشرية هذه الوصفة قرنين، وجرّبتَها أنت في كل «بداية جديدة» علّقتَ فيها معناك على شيءٍ يُبلَغ، والنتيجة عندك قبل أن تكون عند الفلاسفة: المعاني المصنوعة تنطفئ بالوصول إليها. (ولهذا الانطفاء آليةٌ نفسيةٌ دقيقة، وصفها حديثٌ نبويٌّ واحد وقاستها المختبراتُ بعده بأربعة عشر قرنًا — وهي وحدها حديثُ العدد المقبل.)
وأمّا المسلم فيقف من هذه المسألة موقفًا يحسده عليه فلاسفةُ المعنى أنفسُهم:
عنده جوابٌ لم يُكلَّف اختراعَه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. آيةٌ واحدة تجيب عن السؤال الذي يعتصر أقوامًا سنينَ عددًا.
على أن نفهم العبادة كما حدّها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (العبودية): اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة. فدوامُك عبادةٌ إذا احتسبتَه وأتقنتَه، وبرُّك وصنعتُك كذلك، حتى اللقمة تضعها في فيِّ امرأتك — كما في الحديث المتفق عليه. أي أنّ حياتك اليومية نفسَها — هذه التي ظننتَها هي الفراغ — قابلةٌ لأن تمتلئ كلُّها معنى من غير أن يتغير ظاهرُها؛ إنما تتغير الوجهة. الحداثة كلّفتك أن تبني بلا مخطّط، والوحي أعطاك المخطّطَ وترك لك شرفَ البناء.
وقد شخّص أطباءُ القلوب من أهل ملّتنا هذا الفراغَ قبل فرانكل بسبعة قرون، وسمَّوه بأسمائه. يقول ابن القيم في (مدارج السالكين): «في القلب شَعَثٌ لا يلمُّه إلا الإقبالُ على الله، وعليه وحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خلوته، وفيه حزنٌ لا يذهبه إلا السرورُ بمعرفته وصدق معاملته... وفيه فاقةٌ لا يسدّها إلا محبتُه والإنابةُ إليه ودوامُ ذكره».
شَعَثٌ ووحشةٌ وفاقة.. تلك أسماء (الفراغ الوجودي) عند قومٍ عرفوا دواءه. وقد بنى ابن القيم كتابه كلَّه على منزلتَي آيةٍ واحدة يردّدها المصلي في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ فالأولى تجيب عن «لماذا أنا هنا»، والثانية عن «ومن أين لي القوة» — المعنى والوقود، وهما الثغرتان اللتان تسقط فيهما أكثرُ مشاريعنا.
ويُذكّرنا هذا بقصتين بينهما ثمانية قرون، وهما في الحقيقة قصة واحدة:
الغزالي في ذروة مجده — أستاذ كرسيّ بغداد الذي يزاحم طلابُه بابَه — يحكي في (المنقذ من الضلال) أنه وقف على حافة الانهيار: انعقد لسانُه عن التدريس شهورًا، وأدرك أنّ علمه كلَّه صار حظَّ نفسٍ بلا وجهة، فترك بغداد والمنصبَ وخرج يفتّش عن يقين، فما وجده في الجدل ولا في الجاه؛ وجده في العبودية وتزكية القلب.
وتولستوي في ذروة مجده الأدبي يحكي في (الاعتراف) أنّ فقد المعنى بلغ به أن يخبّئ الحبل عن نفسه خشيةَ أن يزهق روحه — وهو الذي «كان عنده كل شيء» — وما أنقذه إلا التفاتُه إلى الإيمان البسيط الذي يحمل الفلاحين من حوله وهم يكدحون راضين.
فقيهٌ وروائي، شرقيٌّ وغربي، والقصة واحدة: القممُ الأرضية لا تجيب عن سؤال «ثم ماذا؟»، والجواب كان دائمًا في الجهة الأخرى.
لكنّ هنا مزلقًا لا بد من التنبيه عليه، وهو الذي يفصل هذا الكلام عمّا يشبهه في السوق: احذر أن تتلقّف هذه الحقائق فتجعل الإيمان (أداةً) في صندوق تطويرك: تصلي لتُنتج، وتذكر الله لتهدأ، وتؤمن لتطمئن. هذه نسخةٌ مقلوبة يسمّيها نقّاد الحداثة (الدين العلاجي) Therapeutic Religion: تجعل اللهَ وسيلةً والنفسَ غاية، وهي بابٌ إلى خواء أعمق؛ لأنّ قلبك يعرف الفرق بين مَن يعبد ربَّه ومَن يستعمله. والترتيب الصحيح مقلوبُها: تعبده لأنه أهلٌ أن يُعبد — ﴿إلا ليعبدون﴾ لا «إلا ليطمئنّوا» — ثم تأتيك الطمأنينةُ ثمرةً لا ثمنًا: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وفي الحديث فيمن جعل الآخرة همَّه: «جعل اللهُ غناه في قلبه، وجمع له شملَه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
والليلة، حين تُطفئ المحرّكَ ويخرج السؤالُ كعادته، لا تدفنه هذه المرة؛ فقد صار عندك جوابُه: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾. ثم ماذا؟ لقاءُ مَن كنتَ تعمل له. فانزل وادخل بيتَك؛ فما عاد عند باب السيارة سؤالٌ مدفون.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير.
